أبواب و شبابيك ( 10 )
……..
أما نحن فى العمل فقد وجدنا العام يمر تلو العام و نحن لا نزال
على حالنا .. غير أن العمل مع كل عام يمر .. يزداد إيقاعه بطئاً ، و
شيئاً فشيئاً .. توقفت العجلة و أصبح هناك حالة من الركود و
أدركنا جميعاً أن كل ما سبق من سنوات العمل الأولى لم تكن إلا
حملة دعاءية كبرى للنظام السياسى بمصر .. التى تؤكد على أن
التعليم يحظى بالإهتمام الأكبر من قبل الدولة .
ثم ماذا تبقى لدينا ؟ .. تبقى وقت طويل جداً نقضيه دون أى عمل
.. خلال هذا الوقت تحولنا نحن " النسوة " إلى شيىء أشبه
بالعدادات .. بالطبع لا أقصد " المعدادات " لا سمح الله و إن كنا لا
نختلف كثيراً عنهن .. و لكن أعنى بالفعل " العدادات " اللاتى
أصبح شغلهن الشاغل و أنا واحدة منهن هو " العد " فأصبحنا نعد
الثوانى و الدقائق و الساعات التى مرت بنا منذ حضورنا للعمل فى
الصباح إلى أن يأذن الله لنا بالإنصراف .. و نعد الأيام حتى يكتمل
الشهر لنستطيع بعدها أن نعد راتبنا .. ثم نعد كم يوماً تغيبناه فى
هذا الشهر حتى يمكننا الحصول على " الحوافز " و بعدها نعد
ثلاثة أشهر حتى نحصل على " الحوافز المتميزة " .. التى
نعدها لنستفهم بعدها إذا كان هناك " مليماً " ناقصاً لماذا نقص
هذا المليم .. و أيضاً نعد من أخذ أكثر و من أخذ أقل .. و هكذا ..
أما بالنسبة لى فقد زادت الأشياء التى تعد فكنت أعد كم عدد
المرات التى دق فيها جرس الهاتف .. و كم عدد السيدات الواقفات
فى عربة السيدات بمترو الأنفاق .. و كم عدد الدقائق التى ظللت
واقفة خلالها .. و كم هى عدد المرات التى جلست فيها ؟!
ثم نجتمع معاً من جديد عند أى مناسبة لنعد كم عدد الفتيات
اللاتى لا زلن على حالهن .. و كم عدد الفتيات اللاتى إنتقلن إلى
خانة جديدة من التصنيف الإجتماعى .. إلخ
ثم فجأة حدث الزلزال الأقوى فى عصرنا الحديث .. لتتبعثر كل
الأعداد التى كنا نعدها .. و كل الأعداد التى ملأت البورصات و
الأسواق .. و البحار و المحيطات .. و السموات .. كل تلك الأعداد
ترنحت و إهتزت إهتزازاً عنيفاً مع إنهيار أعداد الطوابق التى تكون
منها مبنى التجارة العالمى بنيويورك ببرجيه .. كان ذلك فى يوم
الحادى عشر من سبتمبر عام 2001 م .. ذلك التاريخ الشيطانى
الذى لا يزال يغير وجه العالم حتى يومنا هذا .
فى البداية لم نستطع أن نخفى فرحتنا فى أمريكا برغم قسوة
النتائج و لكن شيئاً فشيئاً أدركنا أنه كان يوماً أسوداً علينا جميعاً
كمسلمين فى كافة أرجاء المعمورة ..
كانت المسألة شديدة الغرابة دفعتنا للتساؤل مثل كل البشر من
تراه وراء تلك العملية الضخمة .. بالغة التعقيد .. التى لا يستطيع
تخطيطها و تنفيذها إلا الأبالسة أساتذة الدهاء فى كل عصر ..
بالتأكيد أن بصمات الفاعل لا تزال بمسرح الجريمة و لكن أحداً لا
يريد أن يراها أو يتتبعها .. ذلك أن هناك بصمات أخرى أريد لها أن
توضع .. و قبل أن تبدأ التحقيقات وضع المتهم الأوحد فى قفص
الإتهام و حكم عليه أيضاً .. فصبت اللعنات على المسلمين فى
كل مكان و تعرض الكثير منهم للإضطهاد و الأذى .. ذلك من قبل
الأفراد العاديين .. أما ما تبقى حتى يومنا هذا و أظن أنه سيظل
زمناً آخر إلى أن يأذن الله بأن تزول هذه الغمة .. فكانت تلك الحرب
الشعواء التى شنتها الولايات المتحدة الأمريكية بإعتبارها " زعيمة
العالم " الآن مدفوعة بالوقود الصهيونى نحو كل الإتجاهات
الإسلامية فى شرق الأرض و غربها و شمالها و جنوبها ..
و لأننا كنا قد بدأنا منذ عدة سنوات قليلة عصراً جديداً هو عصر
الأقمار الصناعية و القنوات الفضائية فقد أصبح العالم كله يشاهد
الأحداث وقت حدوثها مباشرة ولكن من نوافذ متعددة و بإتجاهات
و زوايا مختلفة .. و لأنه قد أصبح من الصعب التعتيم و الكذب فى
هذا الزمن حيث لا شيىء من الممكن أن يخفى على تلك القنوات
الفضائية التى تنبش و تنقب عن الأخبار فى كل مكان أولا بأول
فقد أصبح هناك منهجاً جديداً إنسحب على العالم بأسره و من ثم
على مجتمعنا أيضاً .. ألا و هو منهج " البجــــــــاحة "
فصدر قاموس جديد وضع معانى جديدة للكلمات بحيث أصبحت
كلمة مسلم بكل أسف تعنى " إرهابى " و إنبرى الزعيم الأكثر
بجاحة على مر العصور " جورج بوش " الإبن .. ليعلن بكل صفاقة
أنه مفوض " إلهياً " ليقضى على " الإرهاب " فى كافة أرجاء العالم
و قام بتهديد العالم بأسره من خلال عبارته الشهيرة :
" من ليس معنا فهو ضدنا "
ومن هنا بدأت الحرب على أفغانستان .. و سط أعداد حاشدة من
البشر الذين عارضوا هذه الحرب و لكن القافلة العسكرية الأمريكية
سارت آمرة لجيوش التحالف الغربى بالحرب على جيش طالبان
" الغلبان " لتحقق الإنتصار " الجبار "
ثم إتجهت القافلة الأمريكية و قد فتحت شهيتها للدماء المسلمة
صوب العراق وسط حشود أكبر من الرافضين و اللاعنين لهذه
الحرب .. و لكنها أيضاً سارت محطمة كل شيىء يقف أمامها
ورافعة شعار : لاصوت يعلو على الصوت " الأمريكانى " ..
و عندما كانت الحرب الأمريكية ضد الحياة على وشك الإشتعال ..
كانت هناك حرب من نوع آخر تدور فى المكان الذى أعمل به و
لكنها ربما كانت حرب باردة .. تصورت حينها لحيز من الوقت أننى
أستطيع أن أزج بنفسى فيها .. رغبة منى فى ممارسة الحياة
التى نأيت بنفسى عنها زمناً طويلاً .. و على ذلك حاولت أن
أعيش " الدور " و أن أشحذ ما تبقى لى من قوة ذهب الجانب
الأكبر منها مع هواء نافذتى " الوردية " التى ظللت واقفة أمامها
طيلة سبع سنوات مضت .. خلال تلك الحرب الباردة إكتشفت أننى
خسرت كل ما تبقى لدى من المعانى الجميلة التى قد تدفع
الإنسان إلى تقدير إنسانيته التى خلقها الله فى أحسن تقويم ..
و قبل أن أبدأ رحلة العودة إلى أسفل سافلين .. وجدتنى أرفض و
أتمسك بآخر خيط يربطنى بإنسانيتى .. و آثرت أن أكتفى
" بالفرجة " فقط و لا أشارك فى تلك المعركة و لكننى
إكتشفت أننى سأكون أول الضحايا ففى ساحة المعركة لا مكان
" للمتفرجين " فإما أن تكون مشاركاً أو تكون ضحية ..
وهنا تساءلت من جديد .. من أجل ماذا ؟ ومن أجل من ؟ أكون ذلك أو تلك ؟
فى هذه اللحظة وجدتنى آخذ قرار اً بالإنسحاب دون أن أحسب
حساب العواقب ودون أن أمهد لنفسى الطريق .. و دون أن أخبر
أحداً سوى نافذتى " الوردية " التى أحببت أن ألقى عليها نظرة
الوداع فتركت لديها آخر دمعة إستطعت أن أذرفها و قررت إغلاقها
نهائياً .. و إنصرفت لا أحمل معى سوى بعض الذكريات .. و قليل
من الخبرات .. و كثير من الشجن
و إتجهت عائدة إلى أرض الأحلام من جديد .. إلى " البيت " الذى
لم يفارقنى لحظة .. ولم يبرحنى منذ أن وعت عيناى على هذه
الحياة .. فكان هو " الحياة " .
عدت إليه و إرتميت بأحضانه زمناً لا أعرف كم هو .. و لا كم بقيت
أشعر بلذة الإنسانية التى إفتقدتها خارجه .. أقف و ورائى كل
الأحلام و الذكريات و الآلام .. أما أمامى فلا أرى سوى " الرضا " و
إكتفيت به و تنفسته .. فإستعدت " روحى " الضائعة من جديد .
و ظننت أننى سأبقى على هذه الحال وقتاً أطول .. يمكننى بعده
النهوض من جديد .. و لكن و قع المحظور .. وقع ما كنا نترقبه .. و
وقع الحلم و الأمل .. وقع السلاح .. وحدث الإنهيار و الإغتصاب ..
وقعت بغداد .
كان الحدث أكبر و أعظم من الإحساس به و التعبير عنه .. كان
الشلل التام هو رد الفعل الطبيعى لنا جميعاً .. حكاماً و شعوباً ..
حتى الدموع كانت قد جفت .. و الصراخ الذى صرخناه قبل الحرب
كان قد قطع أحبالنا الصوتية .. فخرسنا لهول الحدث .. أما أعيننا فلا
تزال ترى .. لكنها بكل أسف ترى العار كله .. كانت ترى عملية
الإغتصاب كاملة .. و لكن دون وعى أو إحساس .. بما يدور .. فقد
فقد العقل قدرته على الإتصال .. و أصبح الجسد عاجزاً تماماً عن
الحركة .. ولم تبق حتى مشاعر الألم
وقعت بغداد .. و وقعنا معها جميعاً .. وجلس العالم كله يتابع من
خلال نافذة واحدة .. فى نفس الوقت .. دخول رعاة البقر إلى بغداد
" حاضرة الدنيا " .. وقفنا لنشاهد مع العالم كله محاولات جنود
" المارينز " الأشاوس إسقاط نظام " صدام حسين " المتمثلة فى
" تمثاله " .. و إحتفالتهم الوضيعة بنصرهم " الساحق " .!!!
الآن .. و بكل حزن .. أصبح الأمر حقيقة .. و تأكد لنا أن هناك
دولتان عربيتان أصبحتا تحت الإحتلال .. و البقية تأتى ..
أما أنا فقد بحثت عن حالة الرضا التى توهمت أننى إخترعتها حين
أقفلت ورائى كل النوافذ و الأبواب .. و أكتفيت بعالمى الرحب الذى
ظللت عمرى كله أنتظره .. فإذا بها قد تبخرت من بين يدى فقد
كنت أضعف من هذا السيل العارم من الرافضين و المستنكرين
لإختيارى .. بتركى العمل ، حاولت جاهدة أن أساند نفسى و
أدعمها .. و أثبتها على موقفها .. و لكن الإتجاه العام كان أقوى
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ